محمد بن أحمد الفرغاني
54
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
مدة سلطنته ، وحيث لا يتصوّر شريك لي ولا سمّى الدهر في دولة تصرّفي ودوامي وبقائي ، فلا مدّة ولا وقت ولا زمان يتطرّق لحقيقتي وحالي . ولا ندّ في الدّارين يقضي بنقض ما بنيت ، ويمضي أمره حكم إمرتي الندّ هو المثل المشارك في الجوهر ، ويستعمل في المشارك في الحكم أيضا وهو المراد ، والإمرة والأمارة : الولاية ، والأمر : التقدم بالشيء ، والواو بمعنى أو ، يقول : ولا شريك لي في الدّارين في حكمي وتصرّفي ولا في جوهري وحقيقتي ، بحيث إنه إمّا أن يخالفني فيحكم بخراب ما بنيت من الأمور على نسق الحكمة والإتقان في الخلق ، وإعطاء كل شيء مما يحتاج إليه في تمام خلقته وهدايته إلى استعمال ما يتمّ به بقاؤه على تلك الخلقة المتقنة مما يجلب إلى نفسه النفع ويدفع عنها الضرّ ، وإلى ما فيه كماله وعمّا يرفع نقصانه ، وهذا النقض باطل لإفضائه إلى العجز والفساد أو يوافقني فيمضي حكمه حكم ولايتي ، وذلك أيضا باطل ، فإنه يفضي إلى تحصيل الحاصل أو إلى عجزي عن إمضاء حكمي . ولا ضدّ في الكونين ، والخلق ما ترى بهم للتّساوي من تفاوت خلقتي ولا ضدّ لي ثابت في عالمي الظاهر والباطن ، يعني ليس في الوجود أمر في العالمين يكون داخلا معي تحت جنس واحد ، ويكون بيننا منافاة في خاصّة أوصافنا وبيننا من جهة تلك المنافاة أبعد البعد ، كما بين السواد والبياض واللّيل والنهار ؛ لأنه لا جنس لي يشاركني فيه غيري ، فإنّ ذاتي عين الوحدة المنافية للغير والغيرية ، وأن الوجود أيضا واحد وحدة حقيقية وهو عين ذاتي ، وكل وصف من الأوصاف الظاهر أثره في الكونين ، فهو مضاف إلى عين ذلك الوجود الواحد ، والحال الواقع المشهود لكل شاهد أن جميع ما أضيف إلى شيء من آثار هذا الوجود الواحد وأشعته وفيضه مسمّى بالخلق كلّها في الموجودية سواء ، بحيث لا يرى من تفاوت بينهم في نفس الموجودية من العلويّات والسفليّات حتى إن أعظم الموجودات صورة ومعنى مع أحقرهم سواء في الموجودية ، وكل واحد من هذه الموجودات المتساوية في الموجودية قد أعطي ما ينبغي له ويحتاج إليه في الوصول إلى الكمال المناسب له من الآلة والاستعداد الوجودي وهدي إلى استعماله بالفطرة السليمة ، بحيث لا يفوته شيء أصلا ؛ ولمّا كان الوجود واحدا وهو عين ذاتي وجميع